“الجودة” هو مستشفى خاص يقع بين حي الديم والصحافة شمال الخرطوم، بالقرب من وسط العاصمة السودانية. كان هذا المستشفى إلى جانب مستشفى أم درمان ومستشفى الأربعين في مدينة أم درمان وكذلك مستشفى الدولية في الخرطوم بحري ملجأً مهمًا للمتظاهرين/ات المصابين/ات خلال الحركة الثورية التي استمرت أربع سنوات في السودان. وكانت المستشفيات التي ضمت موظفين/ات متعاطفين/ات أو داعمين/ات بشكل صريح للحركة المؤيدة للديمقراطية، ركيزة مهمة للبنية التحتية الثورية في السودان. وتكونت هذه البنية من عدة ركائز دعمت الاحتجاجات في السودان وضمنت مساهمة المجتمع بأكمله في الحركة ودعمه الشباب والشابات في الشوارع. وكان هذا من بين الأسباب التي جعلت المتظاهرين/ات/ات يشعرون بالثقة أنهم سيحصلون على العلاج مجانًا إذا لزم الأمر، وأن أسرهم التي غالبًا ما تكون فقيرة، لن تضطر إلى إيجاد طرق لتمويل علاجهم.
بنية تحتية ثورية أصيلة أنقذت الأرواح
تم دعم حركة الاحتجاج السلمية من خلال بنية تحتية ثورية تضم العديد من الركائز، أهمها اللجان الشعبية ؛ وهي مجموعات محلية تشكلت لأول مرة في أعقاب أحداث سبتمبر 2013 الدامية، التي شهدت تعبئة واسعة النطاق ولكنها انتهت أيضًا في أقل من أسبوع، بحصيلة من القتلى فاقت المائتي شخص. وكان من الواضح للناشطين/ات والمنظمين/ات، أن المعارضة كانت تتنامى، مع غياب للقيادة على المستوى الشعبي. فجاءت اللجان الشعبية لسد هذه الفجوة وبناء القوة من داخل المجتمع خلافاً للبنية الهيكلية المركزية للسلطة الموجودة في الأحزاب السياسة السودانية التي لم تكن تحظى بشعبية بين الشباب. علاوةً على ذلك، كانت هناك حاجة أيضًا لإنشاء كيانات أكثر تمثيلاً حيث أن الأحزاب السياسية تقتصر بشكل كبير على المراكز الحضرية والطبقات الوسطى، بينما تمكنت اللجان الشعبية من إيجاد منصة في القرى واستطاعت حشد الفئات العمرية والخلفيات العرقية والمناطق المختلفة.
البنية التحتية الطبية:
وتشمل المسعفين/ات الطبيين/ات الذين عملوا من مستشفيات مؤقتة داخل الأحياء أثناء الاحتجاجات، والمستشفيات التي كانت مفتوحة لاستقبال المتظاهرين/ات/ات المصابين/ات، بالإضافة إلى شبكة من الأطباء/الطبيبات المنظمين/ات عبر النقابات العمالية الذين ساعدوا في تنسيق الحماية والعلاج والتعافي. كما تمكنت المستشفيات من توثيق الانتهاكات ضد حرية التجمع وتقديم التقارير التي تمت مشاركتها من خلال مجموعات الناشطين/ات.
الشبكات القانونية:
مثل مبادرة محامي الطوارئ التي قدمت المساعدة القانونية الفورية للمتظاهرين الذين تم القبض عليهم من الاحتجاجات وأماكن أخرى، وعادة ما كانوا يخيمون بالقرب من مراكز الشرطة أثناء الاحتجاجات لضمان التدخل السريع.
البنية التحتية الاجتماعية
التي وفرت الحماية للمتظاهرين الذين تمكنوا من دخول منازل مدنية عشوائية في أي حي للتعافي من الغاز المسيل للدموع والاختباء من الاعتقالات، وفي العديد من المناسبات، دفع السكان ثمناً باهظاً وشهدوا انتهاك مساحاتهم الشخصية نتيجة لذلك.
كيف تم بناء نظام لحماية المتظاهرين/ات والناشطين/ات
هذه البنية التحتية الثورية لم تبنى في يوم واحد، بل كانت نتيجة لعملية تراكمية امتدت لعقود وبنيت على عرق ودموع الناشطين/ات. بدأت اللجان الشعبية بخلايا من 3 إلى 5 أفراد موثوقين قبل أن تنمو لتشمل مئات الأعضاء. وتم تدريب المحامين/ات على يد محاميي مجال حقوق الإنسان المعروفين الذين قضوا أشهرًا في السجن وتطوعوا بوقتهم للدفاع عن المعارضين/ات السياسيين/ات، بينما تنظم بعض الأطباء الذين عالجوا المتظاهرين/ات في نقابات عمالية تعرضت للترهيب لمطالبتها بتحسين الأجور وظروف.
وكانت هذه البنية التحتية أيضًا أصيلة، بمعنى أنها كانت تعتمد بشكل كبير على موارد الناشطين/ات والمجتمع نفسه. ونذكر على سبيل المثال منظمة حاضرين وهي منظمة وطنية مسجلة رسمياً تنشط في مجالات الصحة والتعليم وتوفير الغذاء ومحطات المياه والوقاية من الأزمات الكارثية، وتعدّ جزءً أساسياً من هذه البنية التحتية. وقد قامت بجمع التبرعات من المجتمع لتعويض المستشفيات مثل الجودة لعلاج المرضى كما تمكنت من دعم الأسر للسفر وطلب العلاج في الخارج عند الحاجة. وكانت هذه البنية التحتية حاسمة في دعم زخم الحراك الثوري الذي كان قوياً منذ ديسمبر 2018 حتى أبريل 2023، حين تزامن اندلاع الحرب في السودان، مع شهر رمضان. وكانت الحركة قوية لدرجة أن الاحتجاجات والدعوات للتغيير لم تتوقف أبدًا، وكانت هناك أيام منتظمة كل أسبوع يغادر فيها الناس أعمالهم مبكرًا للانضمام إلى الاحتجاجات، ويخطط الناس مسار تنقلهم وفقًا لذلك. وفي أكتوبر 2021، حدث انقلاب وتم سجن الحكومة الانتقالية التي يقودها تحالف الحرية والتغيير، وتم وضع رئيس الوزراء تحت الإقامة الجبرية.
كان انقلاب 2021 بمثابة اختبار آخر للجان الشعبية التي لم تترك الشوارع أبدًا واستمرت في التعبئة وضمان استمرار الزخم الثوري. وبحلول ذلك الوقت، أصبح لديها نظام قائم وقوي. على سبيل المثال، امتلكت اللجان الشعبية، لجاناً مختلفة قبل وأثناء الاحتجاج. وكان من بينها للجنة الأمنية والتنظيمية المسؤولة عن ترتيب مسارات الاحتجاج أو تغيير وتعديل مسار المسيرة بناءً على المعطيات الأمنية. وفي نقاط الأحيان، كانت هذه اللجنة تدعوا إلى التراجع عن الاحتجاجات بناءً على مستوى العنف المستخدم، حيث تتم مشاركة هذه الدعوات على وسائل التواصل الاجتماعي ومصادر أخرى. ولم يكن الأمر سهلاً، فاللجان الشعبية قد واجهت الاغتيالات والتعذيب والسجن والإفقار الاقتصادي.
الهجوم على الحراكات الاحتجاجية
منذ عام 2019، وخاصة بعد انقلاب 2021، كانت السلطات تسعى للقضاء على الحركة الاحتجاجية. فلقد استمرت الضغوط على السلطات داخلياً وخارجياً، طالما رأى العالم أن الاحتجاجات كانت سلمية ومنظمة ومتسقة رغم المخاطر التي يواجهها المتظاهرون/ات، استمرت. فداخليًا، كان من الصعب جدًا تشكيل حكومة بعد الانقلاب بسبب المعارضة حتى داخل القطاع السياسي، وخارجيًا، كان الضغط مستمراً من قبل المجتمع الدولي. ولكن حتى مع تزايد عنف الهجمات على الاحتجاجات، لم تتزعزع إرادة المتظاهرين/ات، فلجأت السلطات إلى مهاجمة البنية التحتية الثورية.
أصبح المحامون مرهقين بالعمل بسبب زيادة عدد الاعتقالات مع كل احتجاج، وبدأ بعض أعضاء اللجان الشعبية يواجهون اتهامات ملفقة تتطلب إجراءات قضائية طويلة الأمد. وبدأت حينها اللجان الشعبية التي كانت عماد الحركة المؤيدة للديمقراطية في التفكك تحت هذا الضغط. وبدأت مستشفيات مثل الجودة تتعرض للمضايقات. على سبيل المثال، شهدت المستشفى انقطاعاً للتيار الكهربائي أثناء الاحتجاجات للضغط على المستشفى وموظفيه، كما تلقت المستشفى ضرائب أعلى اعتبرها أعضاء اللجان الشعبية والصليب الأحمر عقوبة صارمة من قبل السلطات. في الوقت نفسه، لم تكن المستشفيات قادرة على تقديم خدمات مجانية وكانت منظمة حاضرين تدفع الفواتير بانتظام، لكنها سرعان ما لوحقت قضائياً بسبب مشاكل التسجيل وبدأت التبرعات تتقلّص. ونتيجةً لذلك، تراكمت الفواتير على حاضرين وصاروا يكافحون من أجل سداد ديونهم. كما شار أعشاء اللجان الشعبية إلى أن حاضرين ومؤسسيها تعرضوا للمراقبة والتهديد من قبل السلطات، بينما ذكر آخرون أيضًا أن الوضع الاقتصادي المتدهور داخل السودان وكذلك بالنسبة للسودانيين في الشتات قد حد من قدرات حاضرين على جمع الأموال.
كان القمع الذي استهدف البنية التحتية الثورية محسوباً وأدى إلى إضعاف الحركة، وجاء في وقت في وقت بدأ فيه المتظاهرون أيضًا يواجهون وصمة العار، حيث تم الترويج ضدهم بأنهم شيوعيون ومرتدون ومتعاطي مخدرات وأشياء أخرى. أرادت هذه الدعاية خلق قطيعة بين المتظاهرين/ات والمجتمع لأن هذه البنية التحتية تعتمد على المجتمع الذي يقدم بيوته وموارده وجهوده من للحركة. هذا الهجوم أصبح أكثر نجاحًا في انتهاك الحق في التجمع السلمي من خلال زيادة العداء من جانب المجتمع وجعله أكثر خطورة.
في ورقته الأخيرة، يرى البطحاني (2021) بأن اللجان الشعبية هي إحدى الأدوات التي يستخدمها الشباب للابتعاد عن “النادي السياسي القديم” الذي لا يزال مركزيًا وحصريًا. وكانت الأحزاب السياسية حصرية وتعمل في عزلة ولم تشرك المجتمع أبدًا أو ترى أن الجمهور جزءًا من نضالها. وشعر الناس أنهم مدعوون للاحتجاج، لكنهم لم يتلقوا أي دعم ولم يشاركوا أبدًا في بناء سردية داعية إلى الاحتجاج. من أجل التغيير. وأصبحت اللجان الشعبية جزءًا مركزياً من الحركة الديمقراطية في السودان لأنها كانت قادرة على بناء بنية تحتية حول احتياجات أعضائها ولم تحشد المحتجين فقط بل ايضاً قطاعات كاملة من المجتمع لدعم حركة الاحتجاج وجعلتهم يشعرون بأنهم جزء من هذه الحركة، فشعر الناس بالحاجة إليهم وشعروا أن لهم دورًا يلعبونه وقاموا بتقديمه كل يوم.
البنية التحتية خلال الحرب
وفي الفترة التي تلت أبريل 2023، تكيفت البنية التحتية الثورية بسرعة وبدأت في الانخراط في العمل الإنساني. وشاركت اللجان الشعبية في غرف الاستجابة الطارئة التي كانت بمثابة طوق نجاة للمجتمعات الرازحة تحت القصف، حيث قدمت الطعام من خلال مطابخ الحساء، بالإضافة إلى خدمات التوثيق. أظهر هذا أن الناشطين/ات كانوا دائمًا قريبين من مجتمعاتهم وبيّن أنهم قادرون على إدارة مناطقهم، حيث نظموا دوريات ليلية لحماية المناطق وقدموا الخدمات المطلوبة.








