منذ أن بدأت انتفاضات الربيع الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا عام ٢٠١١ حتى يومنا هذا، كانت النساء في طليعة المظاهرات التي اجتاحت المنطقة من ساحة الحرية في تونس، إلى ميدان التحرير في مصر، وساحة الساعة في حمص، وساحة اللؤلؤة في البحرين، وساحة الشهداء في بيروت، وكل عواصم ومدن المنطقة الناطقة بالعربية. فللنساء خاصةً، يمثل حق التجمع والتظاهر السلمي منبراً لتعبيرهن عن قضاياهن والمشاركة في الحياة العامة وفرصةً للمطالبة بالمساواة والعدالة الاجتماعية، وللمساهمة في تحقيق التغييرات الإيجابية في المجتمعات التي يعشن فيها. ومع ذلك، واجهت النساء في العديد من بلدان المنطقة تحديات وعراقيل في ممارسة حقهن في التجمع والتظاهر السلمي وتعرضن للتهديد والاعتقال والتحرش الجنسي أثناء مشاركتهن في التظاهرات، وللتمييز والقمع من قبل السلطات والمجتمع. ومؤخراً عادت نساء المنطقة لقيادة المظاهرات لأجل غزة، ولكن هذه المرة من المنافي والمهجر وبلاد اللجوء التي تدعم حكوماتها الإبادة ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي.
مدخل قانوني
حق المرأة في التجمع السلمي محمي بموجب ثمان وثائق دولية رئيسية لحقوق الإنسان: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 20) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 21) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 8) واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (المادة 7) والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (المادة 5) واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (المادة 29) واتفاقية حقوق الطفل (المادة 15) والإعلان الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان (المادتان 5 و 12) واتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم (رقم 87).
كذلك، تحمي هذا الحق معاهدات إقليمية مثل الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (المادة 11) والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (المادة 11) والميثاق الأفريقي لحقوق ورفاهية الطفل (المادة 8) والميثاق العربي لحقوق الإنسان (ًالمادة 28)، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان (المادة 15) والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (المادة ١١) وميثاق الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية (المادة ١٢).
من العنف التقليدي إلى العنف المبتكر
إن مسألة الحق بالتجمع السلمي وبتكوين الجمعيات للنساء، هي مسألة تقاطعية، تستدعي أيضاً مناقشة التمييز الذي تتعرّض له النساء عامةً، والناشطات خاصةً. ويعود الفهم النسوي المعاصر لمصطلح “التقاطعية” لسنة 1989 عندما صاغت المناضلة الأمريكية والعالمة الرائدة في مجال نظرية العرق النقدية “كيمبرلي ويليامز كرينشو” هذا المصطلح لوصف وتحليل تجارب الاضطهاد والتمييز الفريدة والمتنوعة التي تتعرض لها النساء السود في أمريكا. كان مفهوم “التقاطعية” و”النسوية التقاطعية” رداً على “النسوية البيضاء” التي كانت مُهيمنة على الفكر الغربي الأمريكي والتي تُركز فقط على تجارب النساء البيض من الطبقة المتوسطة متجاهلةً تجارب النساء من باقي الأعراق والخلفيات والطبقات الاجتماعية. من هنا فإن مصطلح “النسوية التقاطعية” يُشير إلى كيف تُؤثر نُظم القمع والاضطهاد المنهجية على تجارب النساء المتنوعة وفقاً لتقاطع عوامل مختلفة كالجندر والعرق والطبقة الاجتماعية والدين والأصل الوطني والإعاقة والمستوى التعليمي والتوجه الجنسي.
إذاً لفهم الانتهاكات الحاصلة لحق النساء بالتجمّع السلمي، لا بدّ من النظر إلى العنف المبني على أساس النوع الذي تتعرّض له النساء خلال ممارستهن لهذا الحق بوصفه عنف هيكلي متعلق مباشرةً بموازين القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الرجال والنساء. وبالتالي، فإن إدراج قضية التقاطعية عند طرح مسألة الحق بالتجمع السلمي للنساء هي مهمة لإثبات أن هويات النساء ليست فئات منفصلة، ولكنها بدلاً من ذلك تتقاطع لتؤثر على كل امرأة بطريقة مختلفة. وفي حالة النساء في المنطقة الناطقة بالعربية، تلتقي هذه التقاطعات لتشكيل أنماطاً من التمييز تتشاركها النساء في المنطقة. ولمقاربة مسألة الحق بالتجمع السلمي للنساء، لا بد من تحليل وفهم عدة عوامل ذات تأثير، كثقافة التمييز والعنف المتأصلة في مجتمعاتنا. فالعنف والتمييز ضد النساء المشاركات بالاحتجاجات يبدأ غالباً قبل نزولهن إلى الشارع. فما إن يبدين رغبتهن بذلك حتى تواجهن بالقمع من قبل الأهل، أو الوصم حيث يعتبر المجتمع أن “الشارع ليس للنساء” وأن “النساء مكانهن في المنزل”.
أما في الشارع فالعنف يتمادى ليتحول إلى تحرّش واعتداءات جسدية وجنسية، ولفظية، وتنمرّ وإساءات. وما يعزّز هذه الانتهاكات غالباً هو تورّط السلطات الأمنية بشكل مباشر عبر اعتداءات يمارسها رجال الأمن، أو بشكل غير مباشر عبر التغاضي عن الاعتداءات التي يقوم بها مدنيون بحق المتظاهرات. وكانت منظمة هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية قد نشرت شهادات لنساء لبنانيات تروين ما تعرّضن له من انتهاكات خلال مشاركتهن في المظاهرات والاحتجاجات من ٢٠١٩ حتى اليوم. أضاءت الشهادات على العنف “التقليدي” الذي تواجهه في الساحات كنساء. لكنها أيضاً سلّطت الضوء على أنواع “مبتكرة” من العنف تمارسه السلطات على النساء، كتعنيف أبنائهن أمام أعيهن لترهيبهن والتسبّب بإحجامهن عن المشاركة.
نظرة على المنطقة
في ٣٠ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٣، تعرّض المتظاهرون/ات خلال مسيرة الحريات التي دعت إليها أكثر من 24 منظمة من منظمات المجتمع المدني، على رأسها المنظمات النسوية، احتجاجًا على حملة القمع الأخيرة للحريات الشخصية والسياسية في لبنان، للاعتداء العنيف المتعمد من قبل مجموعات مدنية. لكن عناصر قوى الأمن الداخلي المتواجدين في مكان الحادث لم يتدخّلوا بشكل فعال لمنع عشرات المعتدين على الدراجات النارية من إلقاء الحجارة على المتظاهرين والمتظاهرات، والاعتداء عليهم جسديًا، وتوجيه شتائم معادية لمجتمع الميم-عين، خلال اشتباكات استمرت قرابة الساعة نُقل على إثرها متظاهرين على الأقل إلى المستشفى بسبب إصابات وكدمات في الوجه والعين.
أما في العراق، فعبّر الشعار الرئيسي لمظاهرات تشرين 2019، “نريد وطن” عما فقده الكثير من العراقيين والعراقيات: دولة فاعلة وصالحة للعيش تتمتع ببنية تحتية وخدمات قوية بالإضافة إلى إمكانية العيش دون خوف من التعرض للقتل على يد شبكة واسعة من الجماعات المسلحة لمجرد التعبير عن المطالب. وساعد الحجم غير المسبوق لمشاركة المرأة في تحويل ما كان يمكن أن يكون مجرد موجة أخرى من الاحتجاجات الشعبية، إلى انتفاضة. كذلك، رددت آلاف النساء العراقيات شعار “صوتك ليس عيباً، صوتك ثورة” في ميدان التحرير ببغداد في هذه الانتفاضة. وعكست طبيعة المطالب التي رفعتها النساء، التحديات اليومية التي تواجهها وسط الأزمات الاقتصادية، وانهيار مؤسسات الدولة وخدماتها، وموجات العنف والعسكرة، وصعود النزعة المحافظة الأبوية. لكن منذ تلك اللحظة، قُتل ما لا يقل عن 540 متظاهر/ة سلمي/ة، وأصيب 20 ألفًا، واختفى العديد منهم قسريًا. وفي حين أن معظم المتظاهرين الذين قُتلوا خلال الانتفاضة كانوا من الذكور الذين كانوا على الخطوط الأمامية للمواجهة مع قوات الأمن العراقية خلال الاحتجاجات، فقد استُهدفت النساء أيضًا، فتم اختطاف متظاهرات مثل صبا مهداوي وماري محمد. وفي البصرة، قُتلت سارة طالب وزوجها عادل وريهام يعقوب على يد الجماعات المسلحة، كما قُتلت زهراء علي في بغداد.
وفي تونس، ألهم نشاط المرأة خلال ثورة الياسمين التي استمرت 28 يومًا في أواخر عام 2010 وأوائل عام 2011 آلاف المواطنين والمواطنات للتوحد ضد نظام بن علي آنذاك. فقد حملت المرأة التونسية قضاياها الاجتماعية إلى الواجهة وطالبت بالمساواة في الحقوق والحريات. وعلى الرغم من تعرضهن في كثير من الأحيان لمضايقات عنيفة من قوات الأمن، تمكنت النساء من تحدي النظام الأبوي وزعزعة الأعراف المتعلقة بالنوع الاجتماعي في تونس. لكن عادت الاضطرابات السياسية والركود الاقتصادي بالتصاعد أواخر عام ٢٠١٦، مما أدى إلى الموجة الثانية من الاحتجاجات نهاية عام 2018. وفي ٢٠٢١، وكنتيجة للقمع والاستبداد بالسلطة الذي مارسه الرئيس قيس سعيد المنتخب عام ٢٠١٩، اندلعت الاحتجاجات شبه اليومية في جميع أنحاء البلاد. ففي يناير/كانون الثاني ٢٠٢١، دعا المتظاهرون /ات في شارع الحبيب بورقيبة إلى “إسقاط النظام”، مستعيدين/ات بذلك شعارات بالموجة الأولى من الربيع العربي فكانت النتيجة أن قامت قوات الأمن بضرب المتظاهرين/ات بالعصي لتفريق احتجاج المعارضة ضد الرئيس. واحتجت الناشطات التونسيات بقوة على الإنترنت، وفي الشوارع، وفي الميدان السياسي وناضلن بثبات من أجل قضاياهن وحقوقهن. فعلى سبيل المثال، أطلقت منظمة أصوات نساء الأكاديمية السياسية للمرأة، والتي قامت بتدريب أكثر من 200 من السياسيات الحاليات أو الطموحات وقادة المجتمع تحت سن 35 عامًا على كيفية دمج قضايا النوع الاجتماعي في السياسات العامة والعمل عبر الخطوط الحزبية لتعزيز حقوق المرأة. وبعد حل الرئيس قيس سعيد بحل مجلس القضاء الأعلى في فبراير ٢٠٢١، استهدفت بعض المنظمات النسوية كالاتحاد الوطني للمرأة التونسية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، فاتهمت بخدمة المصالح الأجنبية. وفي سبتمبر 2022 وقع الرئيس التونسي القانون ٥٤ ، الذي يحظر جميع التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية في تونس وينظم حركات المجتمع المدني في البلاد، ويمنح السلطات الحكومية تفويضًا مطلقًا للتدخل في طريقة عمل المجتمع المدني مما قيّد عمل منظمات المجتمع المدني بشكل عام، والمنظمات النسوية ومنظمات حقوق الإنسان بشكل خاص. لكن على الرغم من أن الديمقراطية التونسية تتراجع تدريجياً، إلا أن الجهود المتواصلة التي تبذلها النساء حتى الآن أثبتت مرونتهن ورؤيتهن من أجل تونس أكثر ديمقراطية.
وفي السودان، كانت المرأة في طليعة المظاهرات ولعبت دورًا رئيسيًا خلال انتفاضة 2019 التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس عمر البشير. ولاقت صور آلاء صلاح، طالبة الهندسة المعمارية الذي تحول إلى أيقونة الثورة السودانية وهي تهتف “حبوبتي كنداكة”، انتشاراً واسعاً وقتها. ومنذ بدء سلسلة الاحتجاجات في ٢٠٢٢ ضد إقالة آخر حكومة انتقالية بقيادة مدنية، خرج السودانيون والسودانيات في مسيرة مطالبين بعودة الدستورية. لكن الحرب الدائرة الآن بين الجيش وقوات الدعم السريع، تخاض على أجساد النساء حيث تستخدم قوات الدعم السريع اغتصاب النساء كسلاح حرب ممنهج. وفي هذا الشأن، وثقت الجمعيات الحقوقية والنسوية ما يزيد عن 200 حالة اغتصاب تعرّضت لها نساءً سودانيات خلال الحرب المستمرة منذ ما يقارب السنة. إضافةً إلى الاعتداءات الجنسية، فقد سجلّت في السودان حالات اغتيال وقتل ذهبت ضحيتها نساءً بسبب نشاطهن كجريمة قتل سهام حسن مصطفى المتطوعة في غرفة الاستجابة النسوية بالقريف.
والحال ليس مختلفاً في البحرين، ففي 14 فبراير 2011، تظاهر عشرات الآلاف من البحرينيين والبحرينيات سلمياً من أجل المزيد من الحقوق المدنية والسياسية والإنسانية خلال حركة الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة آنذاك. فردت الحكومة بالعنف، وقمعت الجمعيات المدنية والسياسية واستهدفت النشطاء والناشطين والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان والشخصيات السياسية.
وكانت قد اعتقلت زينب الخواجة، الناشطة البحرينية، في 12 فبراير/شباط ٢٠١٢ بينما كانت تشارك في مسيرة باتجاه دوار مجلس التعاون الخليجي (المعروف أيضًا باسم دوار اللؤلؤة) في المنامة، عاصمة البحرين ووجهت إليها تهم “التجمع غير القانوني لأكثر من خمسة أشخاص” و”المشاركة في مسيرة غير قانونية”. وكانت زينب الخواجة قد اعتقلت سابقاً لمشاركتها في احتجاج عام في 15 ديسمبر/كانون الأول 2011 إلى جانب معصومة سيد شرف، وذكرت أنها تعرضت للضرب أثناء اعتقالها في ديسمبر/كانون الأول.
في السنوات التالية، وخاصة منذ عام 2017، كثفت الحكومة القمع من خلال اعتقال واحتجاز وإدانة الأفراد الذين يلفتون الانتباه إلى سجل حقوق الإنسان في المملكة أو ينتقدون الحكومة. أميرة القششمي، وابتسام الصايغ، وفاتن ناصر، وهاجر منصور، ومدينة علي، ونجاح يوسف، وزهرة الشيخ، وزينب مرهون، وزكية البربوري، ناشطات تم استهدافهن جميعاً من قبل السلطات في محاولة للقضاء على ناشطيتهن في مجال حقوق الإنسان ومنعهن من التعبير عن آرائهن السياسية وتمت إدانتهن في محاكمات غير عادلة، بموجب قانون مكافحة الإرهاب الواسع النطاق في البحرين.
أما في المملكة العربية السعودية، فقد ألقي القبض في 6 ديسمبر/كانون الأول 2015، على إسراء الغمغام، الناشطة الشيعية المعروفة، مع زوجها موسى الهاشم، بعد مشاركتهما في احتجاجات عام 2015 ضد معاملة الدولة المسيئة للمواطنين الشيعة. ومنعت الغمغام من الاتصال بمحام خلال المراحل الأولى من اعتقالها. وفي 6 أغسطس 2018، بدأت محاكمة الغمغام أمام المحكمة الجزائية المتخصصة واتُهمت بعدة تهم جنائية، بما في ذلك “المشاركة في الاحتجاجات في منطقة القطيف”، و”التحريض على الاحتجاج”، و”ترديد شعارات معادية للنظام”، و”محاولة تأجيج الرأي العام”، و”التصوير” و”الاحتجاجات والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي” وتقديم الدعم المعنوي لمثيري الشغب” وطالبت حينها النيابة العامة بإعدام الغمغام. وفي 10 فبراير/شباط 2021، حكمت المحكمة الجزائية المتخصصة على الغمغام بالسجن ثماني سنوات تليها منع من السفر لمدة ثماني سنوات. في أكتوبر/تشرين الأول 2022، أفادت تقارير أن محكمة الاستئناف شددت عقوبة الغمغام لمدة خمس سنوات، لتصبح 13 عامًا في السجن.
وفي مايو/أيار 2018، اعتقلت السلطات السعودية بعض أبرز المدافعات عن حقوق الإنسان في البلاد مثل لجين الهذلول ونسيمة السادة وسمر بدوي بسبب نشاطهن ومطالبتهن السلمية بحق المرأة في قيادة السيارة، وإنهاء نظام ولاية الرجل، وتحقيق العدالة والمساواة، وتم اتهامهن بارتكاب جرائم وهمية. وتم لاحقاً إطلاق سراح معظمهن بشكل مشروط من السجن، لكن تم منعهن من مواصلة نشاطهن أو السفر خارج المملكة العربية السعودية، ولا تزال بعضهن قيد المحاكمة.
والحال قد يكون أكثر سوءًا في مصر وسوريا، لكن لرصد وشرح كل ما تعرّضت النساء إثر ممارسة حقهن بالتجمع السلمي في هذين البلدين، نحتاج إلى تحليل منفصل ومقاربات مختلفة ومنهجيات خاصة، لما للانتفاضات الشعبية فيهما من خاصية ومآلات غير نمطية، تستدعي تفكيكاً معمقاً لمفاهيم كمركزية الجسد في الثقافة الاجتماعية، وفي الصراع، والعسكرة، والاقتصاد، والمنفى، وتحليلاً مفصلاً لصعود النزعات المحافظة الأبوية والقيم الأسرية التقليدية.
عن مركزية جسد المرأة في الشارع، بين السيطرة والحماية
القمع والاعتقال والاعتداءات الجنسية والاغتيال، هي بعض الأدوات التي درجت السلطات والمجموعات المسلحة على استخدامها بحق النساء اللواتي زعزعن أسس الأنظمة القمعية الأبوية وشاركن بالمظاهرات والاحتجاجات. لكن مسألة العنف تمتد إلى نطاق أوسع من عنف السلطة، فتواجه المتظاهرات في الساحات شكلاً آخر من أشكال العنف، وهو الوصاية التي تمارس على النساء في الساحات من قبل المتظاهر “الحليف” ما يعبّر عن أن مسألة مركزية جسد المرأة دائماً حاضرة خلال الاحتجاجات والحراكات، سواء بوصفه أداةً للقمع أو التحرر، إما عبر قمع هذا الجسد اجتماعياً وثقافياً وسياسياً أو اعتباره ملكية خاصةً ومحاولة حمايته.
ولهذا النوع من الممارسات غالباً جذر واحد، وهو أن هذه المنظومة الأبوية تعتبر أنها تملك الساحة والشارع وجسد المرأة، وأنّها من تقرّر إذا ما كان من المسموح للنساء المشاركة في الاحتجاجات والمظاهرات والانخراط بالفضاء العام، وتحدد هامش وحدود تحرّك النساء في تلك المساحات. وهو ما أشارت إليه الأكاديمية النسوية دينيز كانديوتي التي اعتبرت أن أجساد النساء كانت أداة أساسية لتحديد هوية الدولة ما بعد استعمارية في دول المنطقة الناطقة بالعربية وأن القومية العربية تعتبر جسد المرأة محدداً لهوية المجموعة. فالحداثيون كما المحافظون، تتشكل لديهم صورة الأمة حول صورة مثالية للمرأة، تعمل في مشاريع سياسية مختلفة لتتقاطع سياسات الحداثة ومفاهيم الهوية لديهم بشكل عميق مع قضية النوع الاجتماعي.
لذا يمكن القول أن خيطاً رفيعاً يفصل ما بين وصاية الرجل الحداثوي على النساء خلال المظاهرات والاحتجاجات، وبين أن يكون حليفاً للحركة النسوية موقناً أنها شريكته في الشارع وبالشارع، ويطور فهماً غير منقوصاً وموضوعياً عن ديناميات العلاقات وموازين القوى، لا يجتزئ العنف وسؤال مركزية الجسد لا ويسلخه من سياقاته التاريخية والسياسية والثقافية. وقد تكون الخطوة الأولى لتطوير هذا الفهم، هو توقف الذكر الحليف عن ممارسة ما يعرف بالفسرجة (mansplaining) أو فلسفة الرجال، الذين يذهب بعضهم لشرح ما هي النسوية ومن هي النسوية الجيدة وما هي الأبوية ومن هي الضحية وما هي الأدوات والتكتيكات التي علينا استخدامها كنساء، بدءً من لغتنا، مروراً بقضايا أخرى كمشاركتنا في المظاهرات، وصولاً إلى حرياتنا الجسدية والجنسية، ليعيد انتاج سرديات تاريخية تغذيها هياكل وسياسات تم وضعها من قبل الجماعات المهيمنة والتي هي في الغالب ذات طابع أبوي كونها تقوم على العلاقات الهرمية التراتبية المبنية على التسلط والخضوع، والسياسات غير الدامجة والتمييزية، وغياب الأطر القانونية الراعية والضامنة لحقوق النساء من بينها الحق بالتجمع السلمي على المستويات الوطنية، وانعدام مساءلة مرتكبي الانتهاكات والعنف بحق النساء.
وهذا يتطلب منا، نحن العاملات والناشطات في مجال حقوق الإنسان عامةً، وحقوق النساء والأقليات خاصةً، أن نبدأ بتحليل ومقاربة كل حق من حقوق الإنسان من زاوية نسوية تقاطعية، وأن نفكّر سوياً كيف نصل إلى فضاءات آمنة ومساحات وبيئات مواتية تستطيع النساء فيها ممارسة كامل حقوقهن وأن ننتقل بسؤال مركزية أجسادنا في الشارع والاحتجاجات من الخواطر والتأملات الفردية إلى مرحلة “ما بعد تسييس الجسد” عبر الانخراط في النقاشات العامة والسياسية، مع إصرارنا أن يُدار هذا النقاش بشروطنا وبمعايير تقاطعية حساسة ودامجة، ترى الوصاية كنوعاً من أنواع العنف وترفضها لأي غرض كانت، سواء للسيطرة أو للحماية.








