“أنا أؤمن بالعدالة؛ العدالة هي المفتاح لحل كل المشاكل في لبنان”
خلال الأسابيع القليلة الأولى من الانتفاضة اللبنانيّة، كانت إلفيا صغبيني وأصدقاؤها وصديقاتها متحمسين ومتحمسات جداً لإمكانية التغيير. تربط إلفيا هذا الأمل بالعدد الهائل من المتظاهرين-المتظاهرات غير الراضين-الراضيات عن الواقع والمتحمسين-المتحمسات في جميع أنحاء الأراضي اللبنانية، “إن رؤية الكثير من اللبنانيين المتنوعين يجتمعون بمثل هذه الأعداد الهائلة كان أمرًا مذهلاً”.
لكن عدد المواطنين والمواطنات المشاركين بالاحتجاجات بدأ بالإنخفاض تدريجياً بعد الإنتفاضة الشعبية في ١٧ تشرين ٢٠١٩. ” استخدام الخوف والعنف! عندما تحدث هذه الأشياء البربرية لك وللأشخاص الذين تحبهم، ستفقد الأمل وتبحث عن الأمان خارج كل هذا”، تقول إلفيا.
“أنا أؤمن بالعدالة؛ العدالة هي المفتاح لحل كل المشاكل في لبنان”، تضيف إلفيا مؤكّدةً على أن العدالة هي المبدأ الأساسي الذي دفعها إلى مشاركتها في الانتفاضة. بالإضافة إلى ذلك، ونتيجة لاعتقادها أن العدالة والسلام لا ينفصلان، ترفض إلفيا العنف، وهو موقف مشترك بين صديقاتها أعضاء جماعة نون النسائية. نظمت إلفيا وزميلاتها في نون احتجاجات مختلفة في بيروت وجبل لبنان، ودائمًا ما شجعن السلام والحوار، “لقد استخدمنا دائمًا الأساليب السلمية مثل الموسيقى ويافطات تحمل مطالبنا، وحرصنا على الامتناع عن استخدام لغة مهينة “.
لم تكن ليلة 21 سبتمبر 2021 عاديةً بالنسبة لإلفيا التي نظمت مع زميلاتها عضوات نون اعتصامًا سلميًا عند مدخل منزل القاضي غسان خوري. رفعت المشاركات لافتات ساهمت إلفيا بتصميمها وتضمّنت المطالب التي كانت تأمل المشاركات بنقلها، بما في ذلك الإعتراض عدم اتخاذ القاضي خوري الإجراءات اللازمة لفرض الاتهامات على المسؤولين الحكوميين المرتبطة أسماؤهم بانفجار ميناء بيروت.
كانت الساعة حوالي الساعة 5:30 بعد الظهر عندما تجمعت مجموعة من النساء يهتفن بشكل سلمي في مظاهرة صغيرة.
على الفور، ووجهت المشاركات بالإساءات اللفظية والشتائم من قبل عدة رجال غاضبين يرتدون ملابس مدنية. لا تزال إلفيا غير متأكدة من هوياتهم، لكنها تفترض أنهم كانوا على الأرجح الحرس الشخصي للقاضي خوري. مزيد من الرجال اقتربوا منهن، ومن بينهم عنصر أمن يحمل سلاحاً. تغلّب الخوف على إلفيا وزميلاتها، والذي تسبب به عنصر الأمن وهو يؤرجح بندقيته للأعلى والأسفل بالقرب منهن. “ما حاجته للسلاح، هل كنا نحاول مهاجمته أو شيء من هذا القبيل؟” تقول إلفيا.
لم يكتف الضابط بترويع النساء المحتجاّت بسلاحه، بل استمر هو والرجال الآخرين بمضايقتهن بالشتائم. “كانوا يشتموننا، ويستخدمون معنا لغة غير لائقة” تضيف. بعد أن دفع المسلح بصديقتها بقوة على الأرض، اقتربت منه إلفيا وأوضحت أنهن يمارسن احتجاحاً سلمياً زلا يلحقن الأذى بأيّ كان.
“بالطبع، أشعر بالخوف في بعض المواقف، لكن هذا في حد ذاته يجعلني أرغب بتحقيق إنتقامي الخاص، أي العدالة”
ما حصل لم يمنع إلفيا من مواصلة الإحتجاج. “أعني بالطبع، أشعر بالخوف في بعض المواقف، لكن هذا في حد ذاته يجعلني أرغب بتحقيق إنتقامي الخاص، أي العدالة”. خلال احتجاجات ١٧ تشرين ٢٠١٩، ومع تنوع المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات التي شاركت فيها، واجهت إلفيا مجموعة من الانتهاكات التي هددت حقوقها في الأمان والتعبير عن الرأي والحق بالتجمع السلمي. مع ذلك واصلت إلفيا الاحتجاج بشغف من أجل لبنان الذي تحلم به.
في 30 مايو 2020، شاركت إلفيا مع ابنها في تحركات طافت بيروت لقراءة بيانات أمام منازل السياسيين. وكانت إحدى محطات المشاركين والمشاركات بهذا التحرك السلمي، منزل رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في منطقة عين التينة. حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، بعد اندلاع مشاجرات بين المشاركين-ات بالتحرك والأمن المرافق لرئيس مجلس النواب، هرعت الوحدة الأمنية الهائلة نحو المدنيين والمدنيات الموجودين في محيط المنزل، بمن فيهم المدنيين-ات غير المشاركين-ات بالتحرّك والذين صودف مرورهم-ن بسياراتهم-ن خلال تلك اللحظة. “لقد رأيت ابني يهرب منهم باتجاه سيارتنا. كانوا يحطمون الزجاج الأمامي لكل سيارة يصادفونها خلال مطاردتهم لإبني” تروي إلفيا.
لكن قبل أن يتمكن من ركوب السيارة، قبض عناصر الأمن على إبن إلفيا وبدأوا بضربه ورطمه على مقدّمة السيارة، بينما كانت والدته تراقب. قفزت من السيارة لمساعدة ابنها على الإفلات منهم، أحد العناصر دفعها بقوة نحو الزجاج الأمامي. “شعرت بدوار بعض الشيء” تقول إلفيا. ثم حاولت من جديد إنقاذ إبنها، إلّا أن أحد رجال الأمن دفعها مرة مجدداً نحو زجاج السيارة. لكنها أصيبت هذه المرة بجرح عميق في ذراعها من الزجاج الأمامي المكسور. “لم ألاحظ الدماء التي كانت تغطي ذراعي بالكامل. كل ما كنت قلقة بشأنه هو تحرير إبني منهم”. بعد تمكّنهم من الخروج من مكان الإعتداء، إنطلقت إلفيا مع إبنها بعيداً نحو مكاناً أكثر أماناً.
“التأثير الذي تركه كل القمع عليّ هو مزيج مستمر من الغضب والقلق. أنا غاضبة من كل ما حدث، وقلقة من أن كل ذلك كان حقيقيّاً”. وعن سؤالنا ما الذي قد يساعدها لتشعر بتحسّن “فقط العدالة يمكنها فعل ذلك”، تجيب إلفيا.




