الحق في حرية التجمع السلمي
إن حجر الزاوية في التعبير الفردي هو قدرة الأفراد على ممارسة حقوق مثل الحق في حرية التجمع السلمي. وهذا الحق هو حق أساسي من حقوق الإنسان وضروري لعمل المجتمعات الديمقراطية وشرط أساسي لممارسة حقوق الإنسان الأخرى؛ لأنه يتيح المشاركة في النقاش العام ويعمل كوسيلة للدعوة إلى التغيير والمساءلة.
وهذا الحق متأصل لدى الأفراد، وهو مسؤولية مفروضة على الحكومات لحمايته وتمكينه، حتى عندما تتحدى ممارسة هذا الحق الدولة أو السياسات العامة، شريطة أن تظل سلمية. ولا يحق للسلطات فرض قيود غير مبررة أو غير متناسبة على هذا الحق.
السياق اللبناني
كان للأحداث التي شهدها لبنان منذ عام 2019 على الأقل، تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة، ألحقت عواقب وخيمة على الكثير من المواطنين/ات. وقد أدى ذلك، في كثير من الحالات، إلى احتجاجات حاشدة تندد بالظروف المعيشية الصعبة وسوء إدارة الحكومة.
منذ عام 2019، شهدت الليرة اللبنانية انخفاضًا حادًا، حيث فقدت ما يقرب من 98% من قيمتها.
واعتبارًا من عام 2022، ارتفع معدل البطالة من 11.4% في 2018-2019 إلى 29.6%. وفي العام نفسه، أشارت التقديرات إلى أن حوالي 80% من السكان اللبنانيين يعيشون في فقر، وأن 36% منهم يقعون تحت خط الفقر المدقع. علاوًة على ذلك، فإن حوالي 90% من اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان يكافحون من أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وتمثل كل هذه التحديات المستمرة انتهاكا يوميا للحقوق الأساسية للأفراد، بما في ذلك حقهم في العمل وحقهم في مستوى معيشي لائق. وبدون ضمان ممارسة الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير، يُحرم المواطنون/ات من الوسائل الأساسية للتعبير عن مخاوفهم/ن، والتعبير عن آرائهم/ن التي تدعو إلى التغيير وتضغط من أجل المساءلة وتحسين الظروف المعيشية.
الحق في التجمع السلمي في لبنان
يحمي النظام القانوني اللبناني الحق في التجمع السلمي، كحق أساسي يكفله الدستور اللبناني والقانون الدولي والقوانين الوطنية.
الدستور اللبناني والقانون الدولي
لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، بما فيها حرية الرأي والمعتقد، والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز.
الدستور نفسه لا يضمن صراحة الحق في التجمع السلمي. ومع ذلك، فإن التزام لبنان بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان منصوص عليه صراحة في ديباجة الدستور، حيث توضح الفقرة ب أن لبنان يلتزم بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق والاتفاقات الدولية الأخرى ذات الصلة، والتي يعتبر المجلس الدستوري (المحكمة الدستورية اللبنانية) أن أحكامها جزء من الدستور اللبناني ولها قيمة دستورية.
وبحسب الدستور اللبناني نفسه، فإن ممارسة الحق في التجمع السلمي، ترتبط بطبيعتها بالحق في حرية التعبير، الذي تكفله المادة 13 التي تنص على أن “حرية التعبير عن الرأي قولاً أو كتابةً، وحرية الصحافة، وحرية الاجتماع والحرية النقابية مكفولة ضمن الحدود التي يفرضها القانون”.
بالإضافة إلى ذلك، ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوضوح في المادة 20 على الحق في التجمع السلمي:
“1- لكل فرد الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.
- لا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى جمعية.
علاوةً على ذلك، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – الذي صادق عليه لبنان عام 1972 – يوفر المزيد من الحماية لهذا الحق، على النحو الذي تكفله المادة 21 التي تتضمن الحق في التنظيم والمشاركة في الاحتجاجات والمظاهرات. وطالما أن التجمعات تتم بشكل سلمي، فيجب حمايتها وفقًا للمادة 22. ومع ذلك، هذا لا يعني أن ممارسة هذا الحق مطلقة، إذ قد تكون القيود مسموحة إذا نص عليها القانون، أو اعتبرت ضرورية للغاية، أو تهدف إلى حماية حقوق أخرى؛ مع التزام الدولة بالقيام بذلك دون التمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.
القوانين المحلية
يخضع الإطار القانوني الوطني للحق في التجمع السلمي لتشريعات مختلفة، تشمل على سبيل المثال لا الحصر:
القانون العثماني لسنة 1911؛ قانون الاجتماعات العامة
قانون العقوبات اللبناني لسنة 1943
قانون العمل اللبناني لسنة 1946
التوجيه التشريعي رقم 112/1959؛ نظام الموظفين العموميين
قرار وزير الداخلية والبلديات رقم 1024 تاريخ 29/3/2006؛ تحديد آلية الإخطار بالتظاهر والتجمع والاعتصام.
ومن المهم الإشارة إلى أن القرار رقم 1024/2006 الذي صدر بتنظيم آلية الإخطار بالتجمعات، يقوض أصول الحق في التجمع السلمي، كما يتضح من خلال المادة الأولى، التي تظهر تدخل الحكومة وانتهاك الضمانات الدستورية من خلال الإشارة إلى أن المواطنين/ات اللبنانيين/ات فقط هم من يمكنهم/ن التقديم في هذا “الطلب”.
إضافة إلى ذلك، يتم استغلال هذا القرار كطلب للسماح بالتجمع وليس مجرد وسيلة للإخطار، ما يشكل انتهاكاً واضحاً للدستور اللبناني والمعايير الدولية.
ممارسة الحق في قانون التجمع السلمي في لبنان: حماية المتظاهرين
التفويضات القانونية: ضمان الحماية للمتظاهرين في التجمعات السلمية
في السنوات الأخيرة، وفي خضم الاضطرابات السياسية والاضطرابات الاجتماعية في لبنان، أصبحت ممارسة الحق في التجمع السلمي ذات أهمية متزايدة. ومع ذلك، لم يصبح قمع الأصوات المعارضة حدثًا غير عادي. إنما عبر انتهاك هذا الحق، حاولت السلطات العامة تأكيد على المتظاهرين/ات في الأماكن العامة. على سبيل المثال، في يناير/كانون الثاني 2022، زُعم أن قوى الأمن الداخلي لجأت إلى استخدام القوة لتفريق المظاهرات التي تصاعدت إلى أعمال عنف بسبب التدهور السريع للأوضاع الاقتصادية في طرابلس. ورداً على ذلك، أطلقت القوى الأمنية الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والحي ضد المتظاهرين/ات، مما أدى إلى إصابة المئات ومقتل أحد المتظاهرين.
ومن الناحية النظرية – وبموجب القانون الدولي – فإن الدولة اللبنانية وسلطاتها ملزمة باتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان حماية المتظاهرين/ات السلميين/ات. لكن بالممارسة العملية، فشلت السلطات في لبنان، بالوفاء بهذا الالتزام. وبدلاً من ذلك، غالبا ما لجأت إلى استخدام القوة لتفريق التجمعات السلمية، أو تم إهمال تنفيذ تدابير السلامة اللازمة لحماية المتظاهرين/ات السلميين/ات، بالرغم من أن قانون تنظيم قوى الأمن الداخلي ومدونة قواعد سلوك الأمن الداخلي، ينصان على أن “المسؤولين عن إنفاذ القانون اللبناني ملزمون بحماية التجمعات السلمية بشكل فعال من الآخرين الذين يهدفون إلى تفريق التجمع أو إلحاق الأذى بالمتظاهرين؛ ولا ينبغي لهؤلاء المسؤولين عن إنفاذ القانون أن يستغلوا سلطتهم على المتظاهرين لتفريق تجمعهم”.
الفشل في الحماية: مسيرة الحرية في 30 سبتمبر 2023
ومؤخرًا، هدف التجمع الذي أطلق عليه اسم “مسيرة الحرية”، والذي انعقد في 30 سبتمبر 2023، ونظمته مجموعة من 30 جمعية ومؤسسة إعلامية، إلى التعبير عن المخاوف بشأن القمع المتصاعد للحقوق والحريات الأساسية. وكان المنظمون/ات قد أخطروا السلطات بالاحتجاج وفقاً للمادة 3 من قانون الاجتماعات العامة. وخلال الاعتصام، كانت قوى الأمن الداخلي حاضرة إلى جانب شرطة مكافحة الشغب.
وخلال التجمع، قامت مجموعة من الأفراد بافتعال مواجهات عنيفة، مما أدى إلى إلحاق الأذى الجسدي بالعديد من المتظاهرين/ات والصحفيين/ات، الذين احتاج بعضهم إلى رعاية طبية ودخول المستشفى. ومن المثير للصدمة أن هذه الهجمات – التي استمرت لمدة ثلاث ساعات – حدثت على الرغم من تواجد قوى الأمن الداخلي وشرطة مكافحة الشغب، التي من الواضح أنها لم تتخذ الخطوات الكافية لضمان سلامة المشاركين/ات في المسيرة، حتى تدخل الجيش للمساعدة في اجلاء المتظاهرين/ات. وتم اكتشاف أن المعتدين قد خططوا لهذا الهجوم بشكل علني حيث ناقشوا خطتهم لتعطيل المسيرة على وسائل التواصل الاجتماعي قبل الحدث، لكن السلطات فشلت في التدخل ومنع وقوع أعمال عنف.
في ضوء الأحداث الأخيرة والتحديات المستمرة التي تحيط بممارسة الحق التجمع السلمي في لبنان، وعلى الرغم من التفويضات القانونية والالتزامات الدولية التي تتطلب من السلطات حماية المتظاهرين/ات السلميين/ات، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين النصوص وتطبيقها. وكثيراً ما تلجأ السلطات إلى القوة غير المتناسبة أو تهمل تدابير السلامة الضرورية، كما يتضح من الفشل في منع العنف خلال مسيرة الحرية في 30 سبتمبر/أيلول 2023، مما يؤكد الحاجة الملحة للإصلاح والعمل.








