“لم نكسب من الثورة غير حرية التعبير”
“لم نكسب من الثورة غير حرية التعبير” كثيرا ما تتردد هذه المقولة على لسان الفاعلين في الشأن العام في تونس في إشارة ضمنية إلى ضعف المنجز الاقتصادي والاجتماعي لحكومات ما بعد الثورة مقابل مكسب حرية التعبير والتظاهر الذي افتكه المحتجون منذ شتاء 2010 – 2011. لكن منذ الانقلاب الدستوري في جويلية 2021 و استفراد الرئيس قيس سعيد بجميع السلطات دخلت تونس منعرجاً جديدا أنهى حالة التأرجح التي استمرت لمدة 10 سنوات بين المسار الثوري ومسار الانتقال الديمقراطي بتعبير منير السعيداني أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية.
تطغى على هذه المرحلة الجديدة منطقة رمادية غير مسبوقة في البلاد العربية وإن قطعت مع منظومة الانتقال الديمقراطي ومؤسساتها فإنها مختلفة عن الأنظمة الاستبدادية على شاكلة بن علي أو الأنظمة العسكرية المجاورة. على النقيض تماما من هذه النماذج يعد العهد الجديد بديمقراطية قاعدية ومباشرة تتنصر لروح الثورة ومطالبها في العدالة الاجتماعية والتنمية الجهوية وتقطع مع الديمقراطية التمثيلية التي اقترنت بالفساد والفوقية. في الواقع يخفي هذا المشروع الطوباوي نزعة تسلطية تتجلى في احتكار الرئيس قيس سعيد لمساحة الفعل السياسي عبر حله أو تهميش للهيئات الدستورية والمؤسسات الديمقراطية وضعف الإقبال المواطني على المؤسسات البديلة التي يقترحها. فيبدو بذلك نظام 25 جويلية أقرب لاسترجاع نموذج الزعامة الأبوية والحكم الفردي منه إلى إرساء منظومة جديدة تقلب رأس السلطة من المركزي إلى المحلي كما يبشر به. تأتي هذه الردة إلى النظام الرئاسوي بمباركة شعبية نظرا إلى فشل نخب الانتقال الديمقراطي في إقناع التونسيين والتونسيات بنجاعة الديمقراطية البرلمانية وخاصة بإمكانية الجمع بين “الخبز” والحرية. وهو ما يطرح تحديات غير مسبوقة على القوى الاجتماعية التي لا تزال تتمسك بمشروع ومكاسب ثورة الحرية والكرامة من نشطاء وحركات اجتماعية ومكونات مدنية وحزبية ومن أهمها حرية التعبير الحق في التظاهر والتجمع السلمي كديناميكية أساسية للفعل السياسي والتغيير.
رهانات حرية التظاهر والحق في التجمع السلمي في تونس بعد 25 جويلية 2021
شهدت التعبئة الاحتجاجية والمطلبية تراجعا ملحوظا منذ 25 جويلية 2021 كما تبينه أحدث تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. في ظل سياق غير مسبوق ونظرا لأسباب مركبة لا تزال بحاجة إلى دراسة معمقة. يعود بعضها إلى تراجع الإيمان بجدوى الاحتجاج كوسيلة للتغيير وإلى توجه رئيس الجمهورية إلى تبني خطاب الحركات الاجتماعية. خلق هذا التحول في الخطاب السياسي حالة تطلع وانتظار عامة لمآلات مشروعه السياسي. إضافة إلى نجاحه في تحويل الأنظار عن مسؤولية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية من السلطة إلى إلقاء اللوم على المحتكرين والمتآمرين والمعارضين السياسيين. يطرح هذا التراجع الكمي تساؤلات حول مستقبل علاقة المجتمع بالدولة ومدى استمرارية حركية الشارع والفعل الجماعي في مساءلة السلطة والتصدي لأي انحرافات ممكنة. لكن في المقابل يحيلنا التعمق في المعطيات الكيفية تزامن هذا التدني في الاهتمام “بالسياسة السياسوية” بتطور نوعي في التعبئة حول المحاور الاجتماعية والبيئية كما تبين ذلك تقارير المرصد الاجتماعي التونسي. على غرار التحركات المطالبة ببيئة سليمة والحق في الماء في مناطق مختلفة من الجمهورية وحراك 18/18 في مدينة جرجيس المناهض لسياسات التنقل الأوروبية المتسببة في موت المهاجرين في المتوسط. كما شهدت الساحة النشاطية مؤخرا تجربة فريدة وهي الجبهة المدنية الواسعة للتضامن مع المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء والتي تشكلت في فيفري 2023 للتصدي للحملة العنصرية التي استهدفتهم انطلاقا من خطاب الرئيس التحريضي. تعبر هذه الحركات عن تواصل وتراكم معرفي وسياسي للحركات الاجتماعية في تونس. ففي ظل حالة موت السياسة التي تهيمن على المشهد الرسمي وتراجع دور الوسائط التقليدية كالأحزاب والنقابات من المهم تثمين هذه التجارب والبناء عليها كنماذج لتواصل الانخراط المواطني في الشأن العام الذي من شأنه أن يحمي الفضاء العمومي من العودة إلى الوراء.
تقلص مساحة الحريات والفعل الجماعي وصعود سردية معادية للمجتمع المدني
تطرح المتغيرات السياسية بعد 25 جويلية جملة من المعضلات أمام حرية التظاهر والتجمع السلمي بعضها مستجد وبعضها قديم متجدد. أفرزت هذه المرحلة الشعبوية مناخا معاد للنخب والأجسام الوسيطة كما وضعت المجتمع المدني في حالة مساءلة شعبية ورسمية ذات أبعاد قانونية وسياسية. لعل من أهمها المشروع الحكومي الجديد لتنقيح المرسوم 88 لسنة 2011 المنظم لعمل الجمعيات والتي اعتبرته مكونات واسعة من المجتمع المدني خطوة في الإتجاه السلطوي لضرب دور الجمعيات وتهديدا لمكسب حرية التنظم. كما مثل المرسوم عدد 54 منذ إصداره في سبتمبر 2022 سيفا على رقاب المعارضين كما وصفته الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية. تضمن الفصل 24 من هذا المرسوم عقوبة السجن لمدة 5 أعوام وخطية قدرها 50 ألف دينار ضد كل من يقوم بنشر أخبار أو بيانات تتضمن معطيات شخصية أو نسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير أو تشويه سمعته. فتحول بذلك من النية المعلنة في مكافحة الجرائم الإلكترونية إلى قانون زجري لمحاكمة الناشطين والمدونين والصحفيين المنتقدين للسلطة. رغم المطالبات المتكررة من مختلف أطياف المجتمع إلى السحب الفوري لهذا القانون لا يزال ضحاياه أمام المحاكم بعضهم من الشخصيات العامة ممن لاقت قضاياهم اهتماما وتضامنا والبعض الآخر من المواطنين الذين لا يملكون أكثر من حساب على موقع فايسبوك.
أما على مستوى الخطاب ارتفعت أصوات خطاب الكراهية ضد النشطاء ومنظمات المجتمع المدني التي تتهمهم بتلقي أموال مشبوهة لخدمة أجندات سياسية أو بالعمالة للخارج. وهي سردية سعت مختلف المنظومات الحاكمة بعد الثورة إلى توظيفها لتشويه المجتمع المدني وكبح دوره كقوة ضغط ومساءلة. لكنها تأخذ منعرجا أكثر خطورة بعد 25 جويلية إذ يندرج هذا الخطاب ضمن سردية أشمل تعتبر كل الأجسام الوسيطة من أحزاب ونقابات وجمعيات جزءا من ما سمي بـ “العشرية السوداء” في إحالة إلى عشرية الانتقال الديمقراطي التي توصم بالفوضى وتتهم بالتسبب في الأزمة الاقتصادية الراهنة. إشترك في بلورة وترويج هذه السردية قوى الثورة المضادة وأنصار قيس سعيد اضافة إلى أبواق إعلامية وافتراضية معادية لروح الثورة. إذ استغلوا الغضب الشعبي تجاه الإسلاميين والمنظومة السياسية للانتقال الديمقراطي في رمي كل القوى الناشطة في سلة واحدة وهي سلة “النخب الفاسدة المستفيدة من الديمقراطية” مقابل “الشعب” التي تسببت الاحتجاجات والإضرابات في الإضرار بمصالحه الاقتصادية عبر إضعاف الدولة وتردي خدماتها. لم تسلم الحركات الاجتماعية والاحتجاجية من ذلك فتعالت الأصوات المطالبة بعسكرة مواقع الإنتاج والخطابات التي تستهدف المحتجين وتتهمهم بتعطيل مسار التصحيح الذي يقوده الرئيس مما يطرح تحديات جديدة أمام النشطاء. خلف هذا المناخ القانوني والسياسي المعادي للفعل الجماعي والتوجه السلطوي لمنظومة 25 جويلية تبعات جسيمة على حرية عمل النشطاء وسلامتهم. إذ دفع بعضهم إلى تقليل الظهور العلني أو إلى الرقابة الذاتية. كمثال الناشطين في مجال الهجرة والدفاع عن حقوق المهاجرين والذين تعرضوا إلى حملة تخوين ومضايقات على منصات التواصل الاجتماعي قادها الحزب القومي التونسي. عمل هذا التنظيم اليميني العنصري على تشويه النشطاء واتهامهم بخدمة مصالح أجنبية “لتوطين المهاجرين الأفارقة في تونس” والتشهير بهم والتحريض عليهم مما يهدد سلامتهم الجسدية وفي ظل صمت تام من السلطات. كما لا يبدو نظام 25 جويلية متحمسا للحركة النسوية التونسية والمكاسب التي حققتها بعد الثورة على غرار مبدأ التناصف الجندري في المجالس المنتخبة. إذ ضرب إلغاء هذا المبدأ في القانون الانتخابي الجديد تمثيلية النساء في البرلمان والمجالس المحلية مما يؤثر على ولوج الناشطات والجمعيات النسوية لهذه المؤسسات وإضعاف تأثيرهم عليها.
إرث قمعي قديم متجدد
يعود جزء هام من رهانات حرية التظاهر والتجمع السلمي في تونس إلى منظومة قانونية زجرية وممارسات سياسية سابقة لعهد قيس سعيد. إذ سعت مختلف الأنظمة المتعاقبة بعد الثورة إلى استغلال وتكييف إرث القوانين القمعية لمرحلة الاستبداد في استهداف خصومها وتجريم الحراك الاجتماعي الذي يعارضها. مثل الفشل في إلغاء هذه القوانين والقطع النهائي مع العقلية الأمنية السائدة في تعاطي أجهزة الدولة مع الاحتجاج أحد أهم إخفاقات قوى التغيير في عشرية ما بعد الثورة. إذ استمر التمديد في حالة الطوارئ ولم تنجح البرلمانات المنتخبة في تغيير القوانين الزجرية والسالبة للحرية أو في تعديل المجلة الجزائية لتتلاءم مع دستور 2014. فلا تزال هذه القوانين البالية وسيلة لقمع التحركات والأصوات الحرة آخرهم الناشط رشاد طمبورة الذي حوكم في فيفري الماضي بسبب رسم غرافيتي بالسجن لمدة سنتين بتهمة “ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الجمهورية”. وهو قانون يعود إلى عصر البايات وتحديدا لسنة 1913 تاريخ إصدار المجلة الجزائية وقد تم تعديله من طرف الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية ليتلائم مع الصفة الجديدة لأعلى هرم السلطة. يتجلى الإرث الثقيل لهذه المجلة كذلك في فصلها 125 وتهمة “هضم جانب موظف عمومي” والتي يتم توظيفها من قبل الأمنيين لمحاكمة النشطاء والمحتجين بحجة الاعتداء عليهم أثناء القيام بعملهم كأداة للتخويف والإفلات من العقاب. وقد دعت منظمة هيومن رايتس ووتش البرلمان التونسي إلى إلغاء هذا الفصل منذ 2017 نظرا لتعارضه مع الالتزامات الحقوقية للدولة التونسية وتكرر حالات الاستهداف الممنهج للنشطاء والمبلغين عن تجاوزات الشرطة بسبب هذا القانون. إضافة إلى هذه الترسانة القانونية المتعارضة مع المبادئ الديمقراطية رصدت المنظمات الحقوقية طيلة السنوات الماضية تواصل الممارسات القمعية وأساليب تخويف المحتجين والنشطاء الميدانيين في الجهات كالمضايقات والاستدعاء للتحقيق بسبب التنظيم أو المشاركة في الاحتجاجات.
بالرغم من كل هذه التضييقيات على الحريات والمناخ العام الذي يدفع العديد من النشطاء إلى الحذر لا يزال الشارع في تونس ساحة حية للنضال والتعبير ودلالة على التشبث بمكاسب الثورة والمشاركة المواطنية. أعادت القضية الفلسطينية مؤخرا حيوية الشارع في مختلف الجهات عبر المسيرات الداعمة للمقاومة والنشاطات الميدانية لحملة المقاطعة للشركات الداعمة للكيان الصهيوني. كما مثلت المسيرة الوطنية في 8 مارس بمناسبة اليوم العالمي للمرأة تجسيدا لتقاطع النضالات فقد ضمت الحركة النسوية والكويرية والنقابية ومكونات سياسية متنوعة تحت راية فلسطين ومناهضة الاستعمار.







