في الليلة التي اندلعت فيها الانتفاضة اللبنانية في السابع عشر من أكتوبر 2019، كان عيّاد المصري حاضرًا وسط حشد من المتظاهرين-ات في ساحة رياض الصلح في بيروت. كان يسير ويهتف مع الجمهور ويلتقط الصور. لكنّه كان قلقًا بشأن الأشياء الثمينة التي كان بحوزته في حقيبة كتفه، وتحديداً جواز سفره الذي يحتوي على تأشيرة حصل عليها حديثًا، لذلك كان يتفقد الحقيبة باستمرار للتأكد من أن كل شيء في مكانه. وفجأةً سمع صوتاً: “معه مسدّس! معه مسدّس! ” وفي غضون لحظة، اندفع عنصر أمن ودفع بعّياد مباشرة نحو الأرض. “لابد أنه اعتقد أن لدي مسدسًا أو شيء من هذا القبيل لأنني كنت أحمل حقيبتي. أعني أن هذا هو تفسيري الوحيد لما فعله ”.

وقع عيّاد أرضاً ولم يكن قادراً على التنفس بسبب كمية الغاز المسيل للدموع والدخان داخل الساحة.

“ركض نحوي، وأمسك بذراعي ، ووضعني مباشرة على الأرض ، وحاول أخذ حقيبتي!”

يروي عيّاد

قام بعض المدنيين الذين كانوا يمرون بمساعدة عياد بحمله بعيدًا عن الدخان إلى مكان آخر لمساعدته بعد أن أصيب بكدمات في جانبه وظهره من جرّاء الاعتداء. يفترض عياد أن عنصر الأمن نهض وتركه ملقى على الأرض بعد أن تحقق من عدم وجود سلاح في الحقيبة. ومع ذلك، يعتقد أن أنواعًا مماثلة من المعاملة المهينة والانتهاكات ليست نادرة بين قوى الأمن اللبنانية.

 

“الأدرينالين والإثارة كنت أشعر بها خلال المشاركة بالاحتجاجات كانت أقوى من الخوف ومن الترويع الذي تمارسه قوى الأمن” يقول عياد الذي يعتبر أن الاحتجاجات تقدّم دائمًا مقاربةً جديدة لفهم لبنان والمنطقة، ويضيف “حرفياً كل شيء في لبنان،  قضايا النوع، والوضع الاقتصادي للشباب، والعمال المهاجرين، وحقوق الإنسان ، كل شيء يجب الإحتجاج لأجله”. ينتقد عيّاد العديد من جوانب بلاده، بدءًا من مسألة الحدود وصولاً إلى شرعية المؤسسات الحكومية.

الإحتجاجات التي شارك بها عيّاد لم لم تتم الدعوة إليها من قبل مجموعة بعينها، وإنما من خلال جهود مشتركة من قبل مجموعات وأفراد مختلفين. وعادة ما تكون سلمية. عياد نفسه لا يؤمن باستخدام العنف، ويوضح: “أستطيع أن أفهم الغضب الذي يدفع بعض المتظاهرين لاستخدام العنف، لكن إلحاق الأذى بالآخرين لا ينقل رسالتنا بالطريقة التي نريدها”.

 

وكانت المظاهرة التي اندلعت في وسط بيروت في 8 آب / أغسطس 2020 تعبيرًا عن غضب الناس من الكارثة التي عصفت ببيروت إثر تفجير مينائها في ٤ آب-أغسطس ٢٠٢٠، وهذه كانت آخر مرة يشارك عيّاد بمظاهرة. “لا يمكنني حتى شرح ذلك. كان ذلك، إلى حد بعيد، أكثر الأيام خطورة وقمعًا التي شهدتها على الإطلاق “، يتذكر المشهد العنيف في العاصمة. أصيب صديق عياد بعيار ناري، ووجه المحتجون بشتى أنواع العنف  بما في ذلك استخدام العنف والغاز المسيل للدموع والرصاص والاعتداء الجسدي المباشر من قبل قوات الأمن. بعد تلقي مكالمة من صديقه تحذره من وجود قناصين في مبانٍ متعددة، تغلب الشعور بالخوف على عيّاد للمرة الأولى. “أعتقد أنه حتى هذه اللحظة، قبل آب (أغسطس) 2020، كان خوفي ضئيلاً، لكن كل الدمار الذي حدث في الرابع من آب-أغسطس والمعاملة اللاإنسانية من قبل عناصر الأمن كانت سبباً في إثارة خوفي. كما لو أن كل هذا ضربني مرة واحدة وخلق خوفًا لم يسبق له مثلي”. يتذكر عايد آخر لحظاته كمتظاهر في الانتفاضة اللبنانية “تماسكت وسيطرت على توتري، غادرت الساحة، عدت إلى المنزل، وكانت تلك آخر مرة أحتجّ فيها”.

“اختفت الندوب الجسدية، لكن الآثار العاطفية والنفسية ما زالت ظاهرة”

إن جسامة الانتهاكات اللاإنسانية التي رآها عيّاد من حوله قد أثرت على صحته النفسية، وهو أمر كان يحاول أن يهتم به أكثر خلال السنوات الماضية. يشعر وكأن تجربته خلال الاحتجاجات في لبنان أعادته إلى الوراء بعيدًا، وهو يعتبر نفسه لا يزال في طور التعافي. “اختفت الندوب الجسدية، لكن الآثار العاطفية والنفسية ما زالت ظاهرة” يقول عيّاد الذي يعتبر أن حقوقه الطبيعية تم انتهاكها كحقه في الأمن والمعاملة غير القاسية والتعبير عن الرأي. “هذا هو بالضبط ما تريده الطبقة الحاكمة. أن يتملّكنا الخوف والصدمة، فنستسلم ونجد سلامتنا داخل حدود نظام نيو-ليبرالي يوقعنا في شرك الأمان والمال المزيفين. كل ذلك بينما العالم ينهار” يضيف عيّاد الذي يعتقد أن لا الحكومة ولا أي شخص يستطيع أن يقدّم له شيئاً يفرحه، بل الأمر متروك له فقط للاعتناء بنفسه.

“إنه خوف فطري غُرس في داخلي بمجرد أنني نشأت هنا. أعلم أن هناك احتمالًا أكبر بأن أتعرض للهجوم بسبب من أنا وطريقتي بالحب. هذا في حد ذاته يجعل الأشياء غير آمنة وخطيرة”.

فيما يتعلق بسلامة المجتمعات الضعيفة خلال التواجد بالشارع والمشاركة بالاحتجاجات في لبنان، وتحديداً النساء وأفراد مجتمع الميم-عين، يعتقد عياد أن الاعتبارات الخاصة بهذه المجتمعات معقّدة، مما يجعل مشاركتها أكثر خطورة بشكل واضح “التحيز موجود سواء عالجناه مقدمًا أم لا. سواء كنا هدفًا محددًا أو ضحية لإساءة عشوائية، فإن المخاطر أكبر”. إن فهم عياد للمجتمع الذي يعيش فيه جعله يتوقع التهديدات والصدمات المحتملة. ويؤكد “إنه خوف فطري غُرس في داخلي بمجرد أنني نشأت هنا. أعلم أن هناك احتمالًا أكبر بأن أتعرض للهجوم بسبب من أنا وطريقتي بالحب. هذا في حد ذاته يجعل الأشياء غير آمنة وخطيرة”.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn

more