“لارا”، الاسم المستعار لشابة رفضت التصريح عن هويتها الحقيقة، لكنها قررت مشاركة قصتها مع 17 تشرين، وما رأته من ظلم وترهيب، لتغادر في النهاية نحو بلاد أخرى، حيث الحياة الكريمة والأمان، حيث يمكن للمرء أن يلمس أحلامه بيديه.
شاركت لارا في العديد من الاحتجاجات خلال الانتفاضة الشعبية في لبنان، بدافع الغضب والرغبة بإيجاد مساحة آمنة للتعبير عن استيائها من كل ما يجري.
“لم اتبع فردًا أو جماعة معينة في الاحتجاجات، وقفت بعفوية حيث تقاطعت مطالبي مع مطالب المشاركين والمشاركات، حيث وجدت من يشاركني الغضب من الوضع الحالي، ومن يرفض مثلي الطبقة الحاكمة للبلاد، أردت وطنًا دون طائفية، حيث يحصل الناس على جميع مقومات العيش الأساسية، حيث الجميع أحرار، ولهم الحق في التعبير عما يريدونه، أردت وطنًا يحترم الأفراد لذواتهم دون أي اعتبارات أخرى، وطنًا دون فساد، حيث الثقة والكفاءة هما المعيار لاختيار المسؤولين عن إدارته”.
في الـ 30 من أكتوبر 2019، شاركت لارا وشقيقتها ليا في مظاهرة حاشدة وسط بيروت، جاء ذلك بعد فترة قصيرة من إعلان رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري عن استقالته وحكومته رضوخًا للاحتجاجات الشعبية. توجه المتظاهرون والمتظاهرات بسلمية نحو مداخل ساحة النجمة المغلقة، بهتافاتهم الثورية ومطالبهم المحقة، لكن قوى الأمن كان لها اعتبارات أخرى، حيث قرر عناصرها التصدي للمظاهرة بالعنف والترهيب.
“كان المشهد أقرب إلى فيلم رعب، كان كل شيء مخيفًا، تعرض العديد من المتظاهرين للضرب، واعتقلوا البعض منهم بوحشية، كانت القنابل المسيلة للدموع تتساقط علينا كالمطر، تابعنا السير والهتاف بين المدخل الرئيسي لساحة النجمة ومبنى جريدة النهار، لكن الدخان ملأ الساحة وواجهت صعوبة في التنفس، والرؤية حتى، كان كل شيء ضبابيًا وحارقًا”
بينما كانت لارا وشقيقتها تحاولان التقاط انفاسهما بصعوبة بالغة، دوى في الساحة صوت إطلاق نار، تبعها هجوم فصيلة كاملة من قوى الأمن على المتظاهرين مجددًا.
“كانوا يصرخون في وجوهنا و يدفعوننا لكي نغادر المنطقة، امسك أحدهم بذراعي وأخرجني بالقوة من الساحة، شعرت بالخوف وانعدام الأمان، وبذلت جهدًا كبيرًا كي لا أصطدم بـ أي عنصر أمن آخر، لا سيما عناصر قوى الأمن الداخلي”
أغلقت القوات الأمنية الأزقة والشوارع بهدف خلق مخرج واحد مشترك من نقطة الانطلاق الأولى للاحتجاج بالقرب من مبنى النهار، ثم طاردوا المتظاهرين في شارع الجميزة، وأطلقوا في الوقت نفسه وابلًا من قنابل الغاز المسيل للدموع نحو الجموع.
“بدا لي كأن سحابة بيضاء غطت فجأة شمس الجميزة، كانت ليا بجانبي وكنا نختنق، لم تعد الرؤية واضحة أمامي، السموم التي استنشقتها جعلتني أعاني من صعوبة في التنفس لأيام عديدة، وكان هذا بحد ذاته مقلقًا للغاية. العنف الذي مارسته قوى الآمن علينا والرد بالمثل من قبل بعض المتظاهرين شائع جدًا، ربما هذا يعود للتنشئة الإجتماعية التي نتلقاها، والتي غالبًا ما تشجع على السلوكيات العدوانية. قد أفهم لماذا يلجأ بعض المتظاهرون للعنف، لكنني لا أؤيده، وأرى أن التعبير السلمي عن استيائنا هو الحل الأمثل”
ترى لارا أن الشوارع في لبنان لم تعد آمنة للاحتجاج لفترة طويلة، بشكل متفاوت بين فئة وأخرى.
“إن حقيقة كوني إمرأة، وفردًا من مجتمع الميم عين، تجعلني مدركة لوجود احتمالية أكبر لتعرضنا للانتهاكات في الحالتين، ولكن الفارق الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار أن القوانين اللبنانية تجرم المثلية، وهذا قد يُستخدم ضدنا بطريقة رسمية ويوسع من دائرة استهدافنا، هذا القانون هو الوجه الحقيقي للخطر”
تدرك لارا جيدًا حجم الانتهاكات التي مارستها الدولة ضد حقها الطبيعي في التجمع السلمي والتعبير عن رأيها والعيش بأمان دون التعرض لأي عنف أو ترهيب، وهذا ما دفعها للتوقف عن الاحتجاج، ومغادرة لبنان حينما أتيحت لها الفرصة.
“حينما تتعرض أنت ومن حولك لمثل هذه الانتهاكات، ستفقد رغبتك في الاحتجاج، أو البقاء في هذه البلاد، لقد عانيت كما عانى كثيرون، من شتى أنواع الألم النفسي، لقد زرعوا اليأس والإحباط في نفوسنا، ولا أظن أن لدي الرغبة في تجاوز ما حصل، إلا حينما أرى التغيير الذي حاربت لأجله منذ البداية، أو على الأقل، سيكون التغيير خطوتي الأولى في رحلة التعافي”






