على بُعد شارعين من ساحة النور في طرابلس يسكن ديريك، الساحة التي شهدت ليالٍ عظيمة من انتفاضة 17 تشرين الشعبية، وقصدها الثوار من كل أنحاء لبنان.
أصبحت المشاركة في الاحتجاجات أمرًا اعتياديًا في حياة ديريك، لا سيما تلك التي انطلقت في طرابلس والجوار.
“لم أكن أمتلك الخيار في المشاركة، كان الأمر تلقائيًا، حينما ترى كل تلك المشاهد تحدث بالقرب منك، سيتحرك شيئًا ما في داخلك، إنها الفطرة التي تدفعك لإتخاذ بعض القرارات، مشاركتي كانت صرخة استغاثة وتحدي في وجه الإنتهاكات التي تمس حقوقنا الإنسانية في كل يوم، صرخة من أجل العيش بكرامة، من أجل حرية الرأي والمعتقد، وتكافؤ الفرص، وأمور كثيرة آخرى”
يعاني ديريك من الأرق منذ سنوات طويلة، لذا كان يلجأ للسير في وقت متأخر من الليل، بحثًا عن صفاء الذهن، وليرهق جسده حتى يطلب النوم.
في الـ27 من ابريل 2020، انطلق ديريك في رحلته الليلية المعتادة نحو ساحة النور، والتي كانت هادئة حينها، على عكس الليلة السابقة التي شهدت إحراق العديد من البنوك في المنطقة.
“لم يكن في الساحة سواي، ومجموعة من رجال الإطفاء وعناصر من قوى الأمن الذين أخمدوا الاحتجاجات باكرًا في تلك الليلة، كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرًا، وكنت أسير على طول الساحة متأملًا ما خلفته الحرائق والاشتباكات ليلة أمس، حتى صادفت مركبة عسكرية يقف إلى جانبها عنصران من قوى الأمن الداخلي”
“انظر إليه، تفحص جسده جيدًا، أنه وحيد، فلنحظى ببعض المتعة معه”.
بهذه الكلمات المهينة توجه عنصر الأمن إلى زميله قاصدًا الحديث عن ديريك، ثم انهال الاثنان عليه بسيل من الشتائم والإساءات اللفظية.
“لقد تعرضت للتحرش اللفظي من قبل عناصر الأمن، أنا أنتمي لمجتمع ميم عين وادرك جيدًا حجم الخطر الذي تخللته تلك اللحظة، كان من الممكن أن يستخدموا هويتي لترهيبي والإساءة إلي، لذا اخفضت رأسي وتابعت السير دون أن أنظر إلى وجوههم، دون أن امتلك الفرصة للتعرف على هوياتهم”
رغم فداحة الانتهاكات المعنوية التي طالت حقوق ديريك الإنسانية، كحقه في الأمن والمعاملة الإنسانية، إلا أنه يرى نفسه محظوظًا بالنجاة من سيناريو أسوأ كان يمكن أن يحدث في تلك الليلة.
“وحشية عناصر الأمن ضد المدنيين لا تفاجئني، النقص الواضح في آليات المساءلة يمهد الطريق لانتهاكات مماثلة، هناك تطبيع واضح مع العنف، لكن هذا لا يجعله أمرًا مقبولًا، أقولها نيابة عن نفسي، لا أؤيد العنف ولا أمارسه، ولم أحمل سلاحًا في حياتي، لقد ناضلت بسلمية من أجل لبنان الذي احلم به، من أجل إسقاط المنظومة الحاكمة، وأحياء العدالة والمساواة”
يرى ديريك أن حدة الانتهاكات التي يتعرض لها أفراد مجتمع الميم عين تتفاوت بين منطقة وأخرى لأنها نابعة من معتقدات دينية وموروثات اجتماعية ، فبيروت على سبيل المثال، أكثر تقبلًا للاختلاف.
” كل المخاطر التي أحاطت بنا كأقليات، لم تنل من عزيمتي في مواصلة الاحتجاج، لكنها استنفذت طاقتنا، وأطبقت على آمالنا الواسعة. عندما تتعرض للعنف على يد من يفترض أنهم المسؤولون عن حمايتك، يولد لديك شعور بالخيبة والإنكسار، لا يمكن الاستخفاف بحجم ما شعرنا به خلال هذه الفترة”
في النهاية، غادر ديريك البلاد بحثًا عن الاستقرار، مرغمًا لا راغبًا، ووجد في قطر مقصده حيث فرص العمل والرفاهية.
“ذهبت إلى قطر منذ أربعة أشهر، وبدأت عملًا جديدًا، لكن أملي ان أعود يومًا إلى لبنان آخر، لبنان الذي أحلم به”





